الشيخ داود الأنطاكي
124
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
فصل في سادسها : وهو القوى : واحدها قوة وهي مبدأ تغير من آخر في آخر من حيث إنه آخر ، وتكون صوادرها كأنواع الحركة ؛ لأنها قد تغير في الكم كالسمن ، والكيف كالحلاوة ، والأين ، إلى غير ذلك ، كذا حدها في الشفاء والإشارات . وحدها في النجاة : بأنها سبب الفاعل . وغيره كالصابئ : بأنها مبدأ كيفية لم تكن تحصل بدونها . وهذا رسم ناقص في الحقيقة . وحدها الفاضل أبو الفرج « 1 » : بأنها هيئة في الجسم الحيواني بها يمكن أن يفعل أفعاله وانفعالاته بالذات . وهذا بالطب أشبه ، والأول بالفلسفة . والقوة جنس عال لأجناس ثلاثة كالأرواح الحاملة لها [ أولها : ] جنس القوى الطبيعية وهي كائنة في المواليد كلها . فتخصيصه في الجسم الحيواني تحكم . ويمكن حمله على إرادة الأكثر أو الأكمل ، وإن كان فيه ما فيه . وهذه القوة في كل نوع من أجناس الكائنات بل كل شخص بحسبه فإنها كاملة الأنواع في الانسان ، قريبة من الكمال في الحيوان ، أكثرية في النبات بالنسبة إلى المعدن . وأنواعها ثمانية : أربعة مخدومة : أحدها الغاذية : وهي قوة تحيل الغذاء من اللحم مثلًا بتطوير وتصفية إلى أن يصير كالبدن في الشبه ، وقد تخل بذلك كما في السل ، ثم تلصقه بالأعضاء على نسبة طبيعية فإن أخلت حدث نحو الاستسقاء ، ثم تلونه بالبياض عند نحو العظم والحمرة عند اللحم ، وقد تعجز كما في البرص ، كذا قالوه . وعندي : أن الالصاق ليس إليها بل إلى النامية بمعونة الجواذب ، والا لاستغنى عنها . والغاذية واحدة من حيث المبدأ وكونها طبيعية غاذية ، والا ففي كل عضو غاذية بحسبه . وانما يمكن تصور مقاربة بينهما كالتي في الشرايين والأوردة . وقالوا : بأن التي في المعدة والكبد متحدة أو متقاربة ، ولم يختلف في ذلك أحد من الحكماء ولا الأطباء . وأنا أقول : إن هذا الكلام لا عبرة به عقلًا ؛ لأنا نعلم قطعاً أن الغذاء الوارد إلى المعدة باق على صورته الخبزية واللحمية وغيرهما من
--> ( 1 ) أبو الفرج : هو غيريغوريوس بن أهارون المتطبب المؤرخ الملطي النصراني . له كتاب مختصر الدول في التأريخ . لاحظ : ( كشف الظنون ) . )